الغزالي

161

مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب

وقال بعضهم : الدنيا تبغّض إلينا نفسها ، ونحن نحبّها ، فكيف لو تحبّبت إلينا ؟ . وقيل لحكيم : الدّنيا لمن هي ؟ قال : لمن تركها . فقيل : الآخرة لمن هي ؟ قال : لمن طلبها . وقال حكيم : الدنيا دار خراب ، وأخرب منها قلب من يعمرها ، والجنّة دار عمران ، وأعمر منها قلب من يطلبها . وقال الجنيد : كان الشّافعي رحمه اللّه من المريدين الناطقين بلسان الحقّ في الدنيا ، وعظ أخا له في اللّه وخوّفه باللّه فقال : يا أخي ، إنّ الدنيا دحض مزلّة ، ودار عمران ، وأعمر منها قلب من يطلبها . وقال الجنيد : كان الشّافعي رحمه اللّه من المريدين الناطقين بلسان الحقّ في الدنيا : وعظ أخا له في اللّه وخوّفه باللّه فقال : يا أخي ، إنّ الدنيا دحض مزلّة ، ودار مذلّة ، عمرانها إلى الخراب صائر ، وساكنها إلى القبور زائر ، شملها على الفرقة موقوف ، وغناها إلى الفقر مصروف ، الإكثار فيها إعسار ، والإعسار فيها يسار ، فافزع إلى اللّه ، وارض برزق اللّه ، لا تتسلّف من دار فنائك إلى دار بقائك ، فإنّ عيشك فيء زائل ، وجدار مائل ، أكثر من عملك ، وأقصر من أملك . وقال إبراهيم بن أدهم لرجل : أدرهم في المنام أحبّ إليك ، أم دينار في اليقظة ؟ فقال : دينار في اليقظة ، فقال : كذبت ، لأنّ الذي تحبّه في الدنيا كأنّك تحبّه في المنام ، والذي لا تحبّه في الآخرة كأنّك لا تحبّه في اليقظة . وعن إسماعيل بن عيّاش قال : كان أصحابنا يسمّون الدنيا خنزيرة فيقولون : إليك عنّا يا خنزيرة ، فلو وجدوا لها اسما أقبح من هذا لسمّوها به . وقال كعب : لتحبّبن إليكم الدنيا حتى تعبدوها وأهلها . وقال يحيى بن معاذ الرازي رحمه اللّه : العقلاء ثلاثة : من ترك الدنيا قبل أن تتركه ، وبنى قبره قبل أن يدخله ، وأرضى خالقه قبل أن يلقاه . وقال أيضا في الدّنيا : بلغ من شؤمها أن تمنّيك لها يلهيك عن طاعة اللّه ، فكيف الوقوع فيها ؟ . وقال بكر بن عبد اللّه : من أراد أن يستغني عن الدّنيا بالدنيا كان كمطفىء النار بالتبن .